محمد متولي الشعراوي

2594

تفسير الشعراوى

وقد يقول قائل : صحيح إن الأسلحة تؤخذ ، ولكن كيف يؤخذ الحذر وهو عملية معنوية ؟ ونقول : إنه سبحانه يصور المعنويات ويجسمها تجسيم الماديات حتى لا يغفل الإنسان عنها ، فكأن الحذر آلة من آلات القتال ، وإياك أيها المقاتل أن تغفل عنها . وهذا أمر يشيع في أساليب القرآن الكريم ، فالحق سبحانه يقول : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ ( من الآية 9 سورة الحشر ) والدار هي مكان باستطاعة الإنسان أن يتبوأه ويقيم به ، فما معنى أن يتبوأ الإنسان الإيمان وهو أمر معنوي ؟ . إنه سبحانه في هذا القول يصف الأنصار الذين أكرموا وفادة المهاجرين ، والدار - كما نعرف - هي المكان الذي يرجع إليه الإنسان ، والإيمان هو مرجع كل أمر من الأمور . إذن فقد جعل الحق سبحانه الإيمان كأنه يتبوأ ، أي جعله شيئا ينزل الإنسان فيه ، والإيمان كذلك حقا ، والدار في هذا القول مقصود بها هنا المدينة المنورة ، حيث استقبل الأنصار المهاجرين . وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 9 ) ( سورة الحشر ) وهكذا يجسم الحق المعنويات لنفهم منها الأمر وكأنه أمر حسّى ، تماما كما قال الحق : « فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً » . وهذا ما يوضح لنا لماذا أمر اللّه أن يأخذ المسلمون الحذر والأسلحة ؛ لأن المقاتل يجب أن يخاف على سلاحه ومتاعه . فلو فقدها المقاتل لفقد أداة القتال ولصارت